اليوم العالمي للتربة: تحية لأصدقائنا تحت الأرض

IFAD Asset Request Portlet

ناشر الأصول

يوم التربة العالمي: تكريماً لأصدقائنا تحت الأرض

©IFAD/Francesco Cabras

هل رأيت يوما طائر الزرزور يقفز من مكان إلى مكان على الأرض؟ إذا رأيته ربما تكون قد لاحظت أيضا بأنه يتوقف على حين غرة، ويميل برأسه ويصغي، بعدئذ يقوم بنقب الأرض إلى أن يخرج منقاره مجددا وفيه دودة أرض تتلوى. ما يسمعه هذا الطائر يتجاوز قدرتنا على السمع. وهذه القدرة المحدودة التي نتمتع بها هي ما يفسر إلى حد ما لماذا تغيب عوالم مثل عوالم دودة الأرض عن ملاحظتنا. ما الذي لا نراه ولا نسمعه هو الذي نعجز عن ملاحظته، وغالبا ما لا نهتم بأمره: لأنك ان غبت عن العين نسيك الخاطر. وفي العقدين الماضيين فقط بدأنا بتحري وفهم الوظائف والروابط المتشابكة للنظم الإيكولوجية، مثل تلك التي تتضمن النظام الإيكولوجي للتربة ومدى أهميتها لحياتنا اليومية.

الخامس من كانون الأول ديسمبر هو اليوم العالمي للتربة، لذلك دعونا نتمحص قليلا في هذا العالم المذهل لدودة الأرض، ودودة العت، ولفطريات، والميكروبات.

تشكل التربة الطبقة العليا من كوكبنا. وهي تأخذ هذا الملمس المخصوص من خلال جزيئات المعادن المختلفة التي تحتويها كالرمل والطمي والطين، وكلها تتسم بأحجام مختلفة وتوجد بنسب متفاوتة في ترب متباينة في جميع أرجاء الكوكب. كذلك فهي تحتوي على مواد عضوية حية أو ميتة بكميات متفاوتة وبمراحل مختلفة من الاندثار. وتتكون عينة وسطية من التربة من حوالي 50 بالمائة من المعادن، و5 بالمائة من المادة العضوية بالوزن، في حين تشكل المياه والهواء ما تبقى منها. وتعد الطبقة السطحية - أي أول 5-20 سنتيمتر- الطبقة الأكثر إنتاجية. إذ يمكن لغرام واحد من التربة أن يحتوي على ما يقرب من مليار خلية بكتيرية، والمئات من الأمتار من حبائك الفطريات (أي الخيوط التي تربط جزيئات الفطريات) والآلاف من فصائل مختلفة، وكلها تشكل ما يعرف بكائنات التربة.

وتعد التربة ركيزة الزراعة. فهي موطن شبكة متداخلة من الأغذية المتحللة والدورات التغذوية، بما في ذلك عدد من العمليات الفيزيولوجية الهامة كدورات الكربون والنتروجين. وبالنسبة للزراعة، فإنه من الضروري بمكان تدوير هذه المادة الميتة والمتحللة مرة أخرى للاستخدام بحيث يمكنها توفير المغذيات للمحاصيل الجديدة. ويقرر التنوع الحيوي للتربة أي من المغذيات تتوفر للمحاصيل، سواء أكانت مخزنة تحت الأرض أو متحررة بحيث تغدو لبنات البناء لنمو جديد. وفي الوقت نفسه، فإن التركيبة الفيزيائية للتربة المدعمة بحياة مفعمة بالكثير من المادة العضوية والتغطية النباتية قادرة على ترشيح المياه والاحتفاظ بها، مما يشكل خدمة هامة للمحاصيل في المناخات الأكثر حرارة وجفافا. وبالفعل يمكن لبعض الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة أن تعمل على تفتيت الملوثات، لا بل إن بعضها قادر أيضا على معالجة المعادن الثقيلة، وهي خصائص تستخدم لمعالجة الترب الملوثة بغية الوصول لفهم شامل للتنوع البيولوجي للتربة ووظائفها. (يرجى الرجوع إلى الأطلس العالمي للتنوع البيولوجي للتربة). .)

تبنى عدد من مشروعات الصندوق ممارسات تهدف إلى زيادة خصوبة التربة، وإعادة تعزيز تركيبتها الفيزيائية، وحماية التنوع البيولوجي تحت الأرض. ويعتمد العديد من هذه الممارسات على المبادئ الزراعية الإيكولوجية لتنويع نظم الإنتاج، مثل المزج بين الإنتاج الحيواني والمحصولي، وإدخال جملة متنوعة واسعة من المحاصيل السنوية والمعمرة، وزيادة تغطية التربة، وتطوير الاتساقات بين المكونات المختلفة على مستوى الحقل والمزرعة والمشهد الأوسع. وتزيد هذه الممارسات من ناحية المبدأ من كفاءة استخدام الموارد من خلال إعادة تدوير مخلفات المزارع، واستكمال الدورات التغذوية.

وفي مطبوع سيصدره الصندوق لاحقا حول الحلول المستندة إلى الطبيعة، لدينا دراسة حالة مبهرة من جمهوريّة لاو الديمقراطية الشعبيّة، حيث يستخدم المزارعون وصفة محلية لصنع نوع من حساء الأسمدة. حيث يتم خلط المخلفات الزراعية بالسكر والمولاس، ومن ثم تخزين هذا الخليط إلى أن ينضج بحيث يصبح نوعا من "حساء" المغذيات والميكروبات، مما يساعد على حد قول هؤلاء المزارعين المحليين على زيادة إنتاج الخضار والحد من الآفات. لا نعلم بالضبط كيف يعمل هذا الحل، ولكنه بالفعل من الأمور المثيرة للاهتمام لتحريها. وقد تؤدي الممارسات المحلية من هذا القبيل لأن تقربنا أكثر من الوصول إلى ممارسات زراعية أكثر إنتاجية واستدامة في جميع أنحاء العالم.

دعم الصندوق أيضا تنفيذ عدد من الإجراءات الأخرى لتعزيز وحماية التنوع البيولوجي للتربة، ومن بينها:

  • • الحراجة الزراعية، والممارسات التي تضمن وجود غطاء مستمر للتربة على شاكلة القشيشة، أو فرش التربة، ومحاصيل التغطية. وتمنع هذه الممارسات تآكل التربة، وتعيق نمو الحشائش الضارة، وتزيد من نسبة المادة العضوية، وبالتالي تزيد من قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.
  • • تطبيق الأسمدة العضوية مثل خليط الأسمدة، وروث الحيوانات، ومخلفات المحاصيل.
  • • الترويج لإعادة تدوير المغذيات، سواء من حيث اتباع ممارسات على شاكلة التدوير المحصولي والزراعة المختلطة لنباتات سنوية ومعمرة والبذر المظلل، ومن خلال استخدام أصناف متنوعة من المحاصيل. وتعد فصائل البقوليات مثل اللوبياء الصينية والفول السوداني والنفل مفيدة على وجه الخصوص لتثبيت توازن النتروجين في التربة، وجعل النتروجين متاحا لنباتات أخرى. كما أنها تشكل بحد ذاتها مصادر علفية مغذية على الغالب.
  • • استراتيجيات الحد الأدنى من الحراثة أو عدم الحراثة إطلاقا، مترافقة باستخدام محاصيل التغطية لتجنب نمو الأعشاب الضارة. وتؤدي هذه الممارسات إلى تجنب الإخلال بالطبقات المختلفة للتربة وخصائصها ومهامها المحددة مع شبكة الجذور الدقيقة التي تلعب دورا هاما في نقل المياه والكربون والنتروجين وغيرها من المغذيات والمعادن بين النباتات.
  • • الإدارة المتكاملة للآفات والتي تتألف من جملة واسعة من التدخلات الثقافية، والمادية (الشبكات، المصائد، القشيشة)، والبيولوجية (مع الترويج للأعداء الطبيعيين للآفات). ويعني استخدام هذه الممارسات حصر استخدام المواد الكيميائية الزراعية فقط باعتبارها الملاذ الأخير، مما يؤدي إلى الحد من وجودها بصورة كبيرة.

وستعرض هذه الممارسات، باعتبارها جزءا من نهج لنظم أكثر تكاملا بتفصيل أكبر، في دراسة سيصدرها الصندوق قريبا حول الإيكولوجية الزراعية في نظم الزراعة والأغذية للمنتجين على نطاق صغير ضمن مشروعات الصندوق. ولتسليط الضوء بصورة أفضل على مساهماتها في تعزيز وحماية التنوع البيولوجي سواء فوق الأرض أو تحتها، يعد الصندوق استراتيجية للتنوع الحيوي، وخطة عمل لها وسوف تؤطر هذه الخطة نهجنا للتنوع البيولوجي، وتحدد الفرص المتاحة للصندوق لدعم المنتجين على نطاق صغير والمجتمعات الريفية في جميع أنحاء العالم في جهدها لتبني حلول تعود بالفائدة على الجميع لأغراض صون التنوع البيولوجي، والإنتاج المستدام لجملة من الأغذية المغذية، ولتوليد الدخل أيضا.

مازالت هنالك العديد من الفجوات المعرفية في مجال التنوع البيولوجي للتربة، سواء كانت مكانية أو من ناحية التقسيم. ولكن ليست هنالك أية "قائمة حمراء" للكائنات الدقيقة المهددة، ومن غير المحتمل وجود مثل هذه القائمة في المستقبل. فهذه المخلوقات الأكثر صغرا والتي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة يمكن فقط تحديدها في المخابر، وعلى الرغم من أننا مازلنا نفتقر إلى العديد من المعلومات المتعلقة بما يجري تحت سطح الأرض ونطاق الكائنات التي تتواجد هناك، إلا أننا نعلم ما يكفي للاعتراف بصورة كاملة بالأدوار الحيوية التي تلعبها في حياتنا ووجوب الحفاظ عليها، ونحن ندرك جيدا بأن التربة هي أكثر من مجرد المعادن التي تؤلف أساسها، وإنما وعلى العكس من ذلك، فهي ركام بيولوجي في جميع مراحل الاندثار وإعادة الاحياء والتجدد، وهي جملة متراكمة من الأحياء التي تتخذها موئلا لها، الأمر الذي يعتبر أكثر الأجزاء أهمية.

إننا بحاجة لأن نكون واعين لهذه الكائنات غير المرئية، المنتجة بأسلوب لا يعرف الكلل ولا الملل ونظامها الحيوي، لا اليوم وحسب، وانما كل يوم وعلى الدوام.