IFAD Asset Request Portlet

ناشر الأصول

في عالم آخذ في التحضر، لا تزال الروابط الريفية الحضرية المتينة هي المفتاح لمدن قادرة على الصمود

20 نوفمبر 2020
©IFAD/Marco Salustro

مع تحضر العالم بصورة متزايدة، اقترح الكثيرون أن المفتاح لمستقبل فعال ومستدام يتمثل في المدن. وبدءا من وفورات الحجم الأساسية ووصولا إلى السعي الحثيث للتحول إلى "مدينة مستدامة" – وهي مدينة تسعى جاهدة لتحقيق الاستدامة الخضراء، والاستدامة الاجتماعية، والاستدامة الاقتصادية – يسود اعتقاد بأن الفوائد البيئية للمدن تتجاوز عيوبها. غير أن الواقع ليس بهذه البساطة. إذ يمكن للمدن أن تولد آثارا إيجابية أو سلبية عميقة على محيطها – أي على المجتمعات الريفية، القريبة والبعيدة - وعلى البيئة.

وفي محاولة لإضفاء المزيد من الاستدامة على المدن، غالبا ما يتم التركيز بشكل كبير على خيارات مستهلكي المناطق الحضرية. ومن المؤكد أن تثقيفهم حول آثار عادات الاستهلاك الفردي والجماعي على البيئة المحيطة أمر بالغ الأهمية. غير أنه لا يمكن تحقيق الاستدامة الحضرية بمعزل عن غيرها. ولا يمكن للمدن أن تكون مستدامة ما لم تكن محاطة بمناطق ريفية مزدهرة - ولا سيما تلك التي تتمتع بقطاع زراعي قادر على الصمود، ومنتج ومربح.

ومع تزايد الطابع الحضري في العالم، تحتاج المناطق الريفية إلى المرور بعملية تحول خاصة بها كي تتمكن من توفير كميات أكبر من الغذاء، والمياه النظيفة والخدمات البيئية بكفاءة واستدامة أكبر. ومع تزايد الاعتماد المتبادل بين الاقتصادات الحضرية والريفية، تزداد حاجتها أيضا إلى الترابط بشكل أفضل. ولتقوية نظام الغذاء بأسره بشكل كلي، يجب التطرق لجوانب الإنتاج والاستهلاك فيه. وعلى هذا الصعيد، لا يقل تعزيز الإنتاج الزراعي على نطاق صغير أهمية عن تحسين الاستهلاك والتغذية.

ويكمن أحد الجوانب الحاسمة لهذه التحولات في الحفاظ على التنوع البيولوجي. ويعد الحفاظ على التنوع البيولوجي أساسيا للإدارة المستدامة للموارد الطبيعية؛ وبالمثل، فإنه من المؤكد أن الفشل في الحفاظ على التنوع البيولوجي سيؤدي إلى عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة بالنسبة لسكان الريف والحضر. وعلى سبيل المثال، تتوقع إحدى الدراسات التي أجرتها المفوضية الأوروبية أن عدم اتخاذ أية إجراء على صعيد الحفاظ على التنوع البيولوجي يمكن أن يؤدي إلى خسائر تصل إلى 16.5 تريليون دولار أمريكي (14 تريليون يورو) سنويا بحلول عام 2050. وللحد من مثل هذه الخسائر، هنالك حاجة ماسة إلى إجراء تحولات في الطريقة التي تتم فيها استخدام الموارد الطبيعية عبر الطيف الريفي الحضري.

وتشغل كل هذه التحديات موقع الصدارة في الحوار الخاص بالاستدامة في إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهو إقليم يتسم بطابع التحضر والتنوع البيولوجي. كما أنه أكثر الأقاليم النامية تحضرا في العالم، حيث يعيش أكثر من 80 في المائة من سكانه في البلدات والمدن. كما أنه يعتبر أحد مواطن أعظم ثروات العالم من الموارد الطبيعية. وتحتوي أمريكا الجنوبية وحدها على ما يزيد عن 40 في المائة من التنوع البيولوجي لكوكب الأرض، وأكثر من ربع غاباته - بما في ذلك غابات الأمازون المطيرة، وهي المنطقة الأكثر تنوعا في العالم من الناحية البيولوجية.

وبالتالي، يتمتع إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي بفرصة فريدة ليكون رائدا في مجال الاستدامة، ولا سيما في السياق الحضري. وتعتبر المنتجات والخدمات المتعلقة بالتنوع البيولوجي ذات أهمية حاسمة لاقتصاد المنطقة، ومن شأن استخدامها المستدام والاستراتيجي أن يساعد في تعزيز النمو في الإقليم على المدى الطويل. وبالإضافة إلى ذلك، لا يزال طابع المزارع الصغيرة يغلب على نظمه الغذائية، حيث تنتج تلك المزارع أكثر من 70 في المائة من السعرات الحرارية الغذائية في الإقليم، كما أنها تؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على تنوعه الغذائي.

غير أن الإقليم يواجه أيضا تحديات كبيرة على هذا الصعيد. إذ لا تزال فرص العمل والوصول إلى الأصول في المناطق الريفية من الإقليم قليلة، مما يدفع عددا غير متناسب من الشباب – ولا سيما الشابات - إلى الهجرة إلى المناطق الحضرية. غير أنه في الوقت الذي تراكم فيه مدن إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي ثروات كبيرة، فإن الفقر يزداد فيها بالقدر نفسه. ولسوء الحظ، تشكل هذه المدن موطنا لبعض أكبر أوجه اللامساواة على الكوكب.

ويُظهر الوضع الحالي في إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي الافتقار الأساسي للتوازن بين المناطق الريفية والحضرية، وتدور الحلول المحتملة المتاحة للإقليم بشكل رئيسي حول استعادة هذا التوازن. ويمكن للبلدان ضمن إقليم أمريكا اللاتينية والكاريبي زيادة الفوائد الاقتصادية المستمدة من التنوع البيولوجي والنظم الإيكولوجية في منطقتها من خلال الاستثمار في القطاعات الرئيسية المتعلقة بالتنوع البيولوجي واستعادتها، مثل الزراعة، ومصايد الأسماك، والغابات، والخدمات المتعلقة بالمياه، والمناطق المحمية والسياحة، والتي تعد جميعها ضرورية لاقتصاد الإقليم. وفي الوقت نفسه، يعد تشجيع الشباب على البقاء في المناطق الريفية ضروريا لدفع عجلة الابتكار ضمن قطاعات مثل الزراعة - وهي أحد المكونات الحاسمة في التحولات التي ينبغي إجراؤها. ويمكن لتوسيع نطاق جاذبية الظروف المعيشية والعمل في المناطق الريفية أن يساعد في الحد من الهجرة وتهيئة اقتصادات ريفية نابضة بالحياة ومتنوعة وقادرة على الصمود. وفي الواقع، يمكن تطبيق مثل هذه الحلول في العديد من الأقاليم الأخرى حول العالم.

ويعد تعزيز الروابط الريفية الحضرية أمرا حيويا أيضا لتحسين القدرة على الصمود في وجه الصدمات والأزمات. وفي أوقات الأزمات، يمكن أن تؤدي اختلالات النظام الغذائي إلى انتشار الفقر وانعدام الأمن الغذائي، مما يفاقم من آثار الصدمة الأولية. وتتمثل أحدث هذه الأزمات بالطبع في جائحة كوفيد-19. ومنذ أيامها الأولى، سلطت الجائحة الضوء على هشاشة أنظمتنا الغذائية الحالية، مع الاختلالات التي حصلت في سلاسل الإمداد والخسائر في الدخل. ولدى الاستجابة لمثل هذه الصدمات، يجب أن يشغل الحفاظ على توفر الغذاء لكل من سكان الريف والحضر، وضمان الحصول على دخل لشراء الغذاء، موقع الأولوية. وهنا أيضا، لا تزال الروابط المتينة بين الريف والحضر هي المفتاح: إذ أنها تعزز قدرة صغار المزارعين على الصمود، مما يؤدي بدوره إلى إنشاء سلاسل قيمة غذائية أكثر قدرة على الصمود ونظاما غذائيا أكثر قدرة على الصمود.

ولا تعد قدرة النظام الغذائي على الصمود ضرورية لمواجهة آثار الصدمات على الأجل القصير والمتوسط مثل الجائحة فحسب، وإنما أيضا لمواجهة الشواغل طويلة الأجل مثل تغير المناخ. وعلى هذا الصعيد، يمكن للروابط المتينة بين الريف والحضر أن تساعد في الحماية من تقلبات المناخ وأية تقلبات في الأسعار ترتبط بها. ومن شأن الاستثمار في سلاسل القيمة الشمولية، حيث تتمتع الجهات الفاعلة الريفية بوصول كاف إلى المدخلات والأسواق الزراعية الضرورية، أن يؤدي إلى تحسين قدرة النظم الغذائية على الصمود.

ويعتبر صغار المزارعين الريفيين جزءا لا غنى عنه في عالم ما بعد جائحة كوفيد-19. وبمقدورهم مساعدة مجتمعاتنا على التحضر بصورة مستدامة مع تجنب انتشار الجوع على نطاق واسع وزيادة القدرة على الصمود في وجه الصدمات - إذا عملنا معهم واستثمرنا في أنشطتهم.