Skip to Content
X

كسر الحلقة المفرغة للجوع والنزاع

18 فبراير 2021

©IFAD/Petterik Wiggers

يعتبر الجوع سببا للنزاع ونتيجة له في آن معا. واليوم يواجه حوالي 20 مليون شخص شبح المجاعة في اليمن، وجنوب السودان، وبوركينا فاسو، وشمالي شرق نيجيريا. وفي واقع الأمر، يمثل النزاع المحرك الأساسي للجوع في معظم أزمات الغذاء في العالم.

ويولد النزاع الجوع. فهو قادر على أن يشرد المزارعين، ويدمر الأصول الزراعية، ومخزونات الأغذية. وبإمكانه أيضا أن يخلق الاضطرابات في الأسواق، ويرفع الأسعار، ويقوض سبل العيش. وفي هذه الحلقة المفرغة، يؤدي النزاع والافتقار إلى الغذاء إلى تفتيت نسيج المجتمع بذاته، وكثيرا ما يؤديان إلى العنف.

وفي عام 2018، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارا تاريخيا يعترف فيه بأن الجوع يقود إلى التهجير القسري، وبصورة معاكسة، يمكن للتهجير القسري أن يخلف أثرا مدمرا على الإنتاج الزراعي. وبالتالي لا يمكن على الإطلاق القضاء على الجوع بدون إحلال السلام العالمي. ويعمق تغير المناخ بصورة كبيرة دوامة العنف والجوع. وفي بداية السنة أشار الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش إلى أن ثمانية بلدان من بين البلدان الخمسة عشر الأكثر عرضة لمخاطر المناخ تستضيف عمليات لحفظ السلام أو بعثات سياسية متخصصة تابعة للأمم المتحدة.  وبطبيعة الحال، سيتعمق النزاع على الموارد، مثل المياه والأراضي القابلة للزراعة، إذا ما غدت هذه الموارد أكثر شحا وندرة.  

من الحلقة المفرغة إلى الدورة الحميدة

مع انعقاد قمة الأمم المتحدة بشأن للنظم الغذائية في وقت لاحق من هذا العام، لم يكن الوقت على الإطلاق أفضل من وقتنا هذا لاختبار كيف يمكن للنظم الغذائية - وهي الطريقة التي تنتج فيها الأغذية، وتعالج، وتنقل، وتباع، وتستهلك – أن تقود السلام، وكيف يمكن للسلام أن يساعد في دعم نظم غذائية قوية.

ومن الواضح وجود مشكلة في نظمنا الغذائية: ففي حين أننا ننتج الأغذية أكثر من أي وقت مضى، لا يزال شخص من أصل تسعة أشخاص يعاني من الجوع، وهناك مليارا شخص لا يحصلون على ما يكفي من الأغذية المغذية. كذلك تعتبر بصمة الكربون لإنتاج الأغذية عالية للغاية. كما هو الأمر أيضا بالنسبة للضغوطات التي تضعها الزراعة على الموارد المائية: إذ يصل نصيب الزراعة إلى 70% من سحوبات المياه. والزراعة هي المحرك الرئيسي لخسارة التنوع الحيوي. وفي الوقت نفسه فإن ما نسبته 30% من الأغذية المنتجة تهدر أو تضيع بعد الحصاد، حتى قبل أن تصل إلى المستهلك.

ولا داعي لأن يكون الأمر على هذا النحو. وينبغي عكس هذه الحلقة المفرغة بحيث تغدو دائرة حميدة يمكن للنظم الغذائية من خلالها أن تروج للسلام، والذي يمكن بدوره أن يروج لإمدادات أغذية آمنة ومغذية.

صغار المزارعين هم المفتاح

تعد الزراعة على نطاق صغير مفتاح النظم الغذائية التي تسهم في بناء مجتمعات مسالمة صحية. ويعتمد أكثر من ملياري شخص في العالم على 500 مليون مزارع صغير للحصول على سبل عيشهم. ولصغار المزارعين هؤلاء إمكانيات عظيمة للإسهام بصورة أكبر في إيجاد نظم غذائية مستدامة جيدة التشغيل.

لماذا؟ لأن المزارع على نطاق صغير لا تخدم في الأساس إلا الأسواق المحلية والوطنية. وهي هامة على وجه الخصوص في البلدان النامية حيث من المحتمل بصورة أكبر للجوع أن يؤدي إلى إشعال الاضطرابات.

علاوة على ذلك، وحيث تسود الزراعة على نطاق صغير، هنالك قدر أكبر من الانخراط الاجتماعي، والمدني، والثقة، والارتباط بالمجتمعات والثقافات المحلية. ومن الهام بصورة موازية إدراك أن المزارع الصغيرة والمشروعات الريفية الأخرى الصغيرة والمتوسطة الحجم تستثمر وتنفق في المجتمعات المحلية، وهي تخلق الوظائف والفرص، وبالتالي تحد من الحاجة إلى الهجرة. وحيث تزدهر المزارع الصغيرة تتطور المجتمعات الصامدة والمسالمة.

وأخيرا، ينحو المزارعون من أصحاب الحيازات الصغيرة إلى الاعتناء بصورة أفضل بالبيئة الطبيعية. فالممارسات المستدامة - مثل الزراعة العضوية - تعتمد على معرفة معمقة بالأرض، والنظم الإيكولوجية، وتستفيد من تاريخ طويل من العمل على الأرض، الأمر الذي يتمتع به المزارعون الأسريون.

وتعتبر نظم الزراعة على نطاق صغير مسؤولة عن أكثر من نصف السعرات الحرارية المنتجة على صعيد العالم، إلا أنه ومن باب المفارقة، غالبا ما يجاهد هؤلاء المزارعين لإطعام أسرهم. وغالبا ما يتم الاعتداء على حقوقهم في الأراضي، كما تقوض أسعار السوق وقواعدها بصورة متكررة من مداخيلهم، علاوة على أنهم يتأثرون بصورة غير متناسبة بتغير المناخ.

الاستثمار لصالح الأغذية والسلام

في البلدان والأوضاع التي يتهدد فيها النزاع الأمن الغذائي، لا تعتبر الإجراءات القصيرة الأمد للاستجابة للأزمات كافية. ويُعد الاستثمار في التنمية الطويلة الأمد مفتاحا لكسر الحلقة المفرغة للجوع والنزاع. وفي غربي السودانعلى سبيل المثال، أدى إعادة إعمار وتشييد وإدارة نقاط المياه إلى تقليص التوترات التي تتسبب فيها المياه بين الرعاة الرحل. وفي كولومبيا، زاد الوصول إلى التمويل والتدريب الإنتاجَ وفرصَ العمل الريفي، مما أدى إلى ردع الشباب عن الالتحاق بالنزاعات.

وفي المناطق النائية من شمال باكستان، أدى الوصول إلى الأصناف المحصولية الأكثر مقاومة، وإلى الخدمات البيطرية للثروة الحيوانية، والطرقات المعبدة للوصول إلى الأسواق في المجتمعات إلى نبذ التأثيرات المتطرفة. ومن هذه الأمثلة ومن أمثلة غيرها على أثر استثمارات الصندوق، يتضح أيضا بأن ديمومة الأثر تعتمد على التطرق بصورة شمولية إلى الروابط المتشابكة بين العوامل الاقتصادية، وإدارة الموارد الطبيعية، والشمول الاجتماعي.

ضمان النظم الغذائية المستدامة للمستقبل

في يومنا هذا، تضيف جائحة كوفيد-19 إلى الضغوطات التي تمارس على نظمنا الغذائية، وعلى اضطراب الأسواق، وسلاسل العرض للمزارعين على نطاق صغير في جميع أنحاء العالم، مما يتهدد السلام والاستقرار. وإننا بحاجة لهؤلاء المزارعين على نطاق صغير الآن أكثر من أي وقت مضى، ولكنهم يحتاجون أيضا للدعم وللاستثمارات بحيث يمكن لهم أن يلعبوا دورهم الحاسم.

النظم الغذائية أمر معقد. إذ يحتاج المزارعون على نطاق صغير إلى المدخلات مثل البذور والأسمدة لضمان الإنتاج، كما يحتاجون للتدريب والدعم للتغلب على الصدمات على شاكلة أحداث الطقس التي لا يمكن التنبؤ بها، والتوجهات الاقتصادية الهبوطية، أو الأزمات الصحية. كذلك فإنه من الحاسم بمكان ضمان الإبقاء على بيع وشراء منتجاتهم، ودعم الدور الحاسم الذي تلعبه النساء في نظم الأغذية من خلال التطرق إلى انعدام المساواة بين الجنسين، الأمر الذي يعيق الأنشطة المولدة للدخل الخاصة بالنساء.

ولكن هنالك أيضا جملة واسعة من الأبعاد الاجتماعية. فنجاح المزارعين يعتمد على نطاق صغير كذلك على إعطاء الصوت لممثليهم، أي منظمات المزارعين، والشعوب الأصلية، والنساء، ومستخدمي المياه، وغيرهم من المؤسسات المجتمعية.

وفي هذه الأوقات المحفوفة بالتحديات، علينا ألا ننسى مدى أهمية 500 مليون مزرعة صغيرة النطاق في العالم لبناء السلام والأمن الغذائي العالمي. وستكون قمة النظم الغذائية فرصة لإرساء الأسس لنظم غذائية مستدامة للمستقبل، وللسلام وللازدهار الذي تعتمد عليه الأجيال المستقبلية..

تم نشر هذه المقالة في الأصل بواسطة Devex.